ينفرد الموقع الرسمي لأبرشية دهوك الكلدانية بنشر الترجمة الكاملة للوثيقة الجديدة بخصوص الذكاء الاصطناعي التي أصدرتها دائرة عقيدة الإيمان ودائرة الثقافة في الفاتيكان، على شكل أجزاء، ليتسنى للقارئ قراءتها كاملة.
الجزء الرابع
ترجمة الأخت د. حنان ايشوع
فهم شامل للذكاء البشري
26. في هذا السياق، يُنظر إلى الذكاء البشري بوضوح أكبر على أنه ملكة تُشكل جزءًا لا يتجزأ من تفاعل الإنسان الكامل مع الواقع. ويتطلب التفاعل الحقيقي احتضان كامل نطاق وجوده: الروحي، والمعرفي، والجسدي، والعلائقي.
27. يتجلى هذا الاهتمام بالواقع بطرق مختلفة، إذ يسعى كل شخص، في تفرده المتعدد الأوجه، إلى فهم العالم، والتواصل مع الآخرين، وحل المشكلات، والتعبير عن إبداعه، والسعي إلى الرفاهية الشاملة من خلال تآزر أبعاد الذكاء المختلفة. وهذا يستدعي القدرات المنطقية واللغوية، ولكنه قد يشمل أيضًا أساليب أخرى للتفاعل مع الواقع. لننظر إلى عمل الحرفي، الذي “يجب أن يكون قادرًا على تمييز شكل معين في المادة الخاملة لا يستطيع الآخرون تمييزه”، وإبرازه من خلال حدسه وخبرته. غالبًا ما يمتلك السكان الأصليون الذين يعيشون بالقرب من الأرض حسًا عميقًا بالطبيعة ودوراتها. وبالمثل، فإن الصديق الذي يعرف كيف يجد الكلمة المناسبة، أو الشخص الذي يعرف كيف يدير العلاقات الإنسانية، يُجسّدان ذكاءً “ثمرة التأمل والحوار واللقاءات الكريمة بين الناس”. وكما يُشير البابا فرنسيس، “في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يُمكننا أن ننسى أن الشعر والحب ضروريان لإنقاذ البشرية”.
28. يكمن جوهر الرؤية المسيحية للذكاء في دمج الحقيقة في الحياة الأخلاقية والروحية للإنسان، وتوجيه أفعاله في ضوء صلاح الله وحقيقته. ووفقًا لخطته، فإن الذكاء، بمعناه الكامل، يشمل أيضًا القدرة على تذوق ما هو حق وخير وجمال. وهكذا، وكما قال الشاعر الفرنسي بول كلوديل في القرن العشرين، يُمكن القول إن “الذكاء لا شيء بدون لذة”. حتى دانتي أليغييري، عندما بلغ أعلى سماء في الفردوس، يشهد بأن قمة هذه اللذة الفكرية تكمن في “نور فكري، مفعم بالحب؛ / حب الخير الحقيقي، مفعم بالبهجة؛ / فرح يتجاوز كل حلاوة”.
29. لذا، لا يُمكن اختزال المفهوم الصحيح للذكاء البشري في مجرد اكتساب الحقائق أو القدرة على أداء مهام محددة؛ بل يعني انفتاح الشخص على أسئلة الحياة الجوهرية، ويعكس توجهًا نحو الحق والخير. وبصفته تعبيرًا عن الصورة الإلهية في الشخص، يستطيع الذكاء الوصول إلى مجمل الوجود، أي أن يُدرك الوجود في كليته، الذي لا ينضب بما يُقاس، فيُدرك بذلك معنى ما فهمه. بالنسبة للمؤمنين، تستلزم هذه القدرة، على وجه الخصوص، إمكانية النمو في معرفة أسرار الله من خلال الاستكشاف العقلاني للحقائق المُعلنة (intellectus fidei). يتشكل الذكاء الحقيقي من خلال المحبة الإلهية، التي “أُفيضَت في قلوبنا بالروح القدس” (رومية 5: 5). ومن هنا، يمتلك الذكاء البشري بُعدًا تأمليًا أساسيًا، أي انفتاحًا نزيهًا على ما هو حق وخير وجمال، يتجاوز أي فائدة خاصة.
حدود الذكاء الاصطناعي
30. في ضوء ما سبق، تتضح الاختلافات بين الذكاء البشري وأنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية. فرغم أنه إنجاز تكنولوجي خارق قادر على محاكاة بعض العمليات المرتبطة بالعقلانية، إلا أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل إلا من خلال أداء المهام، وتحقيق الأهداف، أو اتخاذ القرارات بناءً على البيانات الكمية والمنطق الحسابي. فبفضل قدرته التحليلية، على سبيل المثال، يتفوق الذكاء الاصطناعي في دمج البيانات من مختلف المجالات، ونمذجة الأنظمة المعقدة، وتعزيز الروابط بين التخصصات. بهذه الطريقة، يُمكن تسهيل التعاون بين الخبراء لحل المشكلات التي يصعب التعامل معها من منظور واحد أو مجموعة اهتمامات واحدة نظرًا لتعقيدها.
31. ومع ذلك، حتى لو قام الذكاء الاصطناعي ببلورة ومحاكاة بعض مظاهر الذكاء، فإنه يبقى محصورًا في جوهره في مجال منطقي رياضي، مما يفرض بعض القيود الجوهرية. فبينما يتطور الذكاء البشري باستمرار بشكل عضوي عبر نمو الشخص الجسدي والنفسي، ويتشكل من خلال تجارب لا حصر لها في الجسم، يفتقر الذكاء الاصطناعي إلى القدرة على التطور في هذا الاتجاه. فمع أن الأنظمة المتقدمة قادرة على “التعلم” من خلال عمليات مثل التعلم الآلي، إلا أن هذا النوع من التدريب يختلف جوهريًا عن تطور نمو الذكاء البشري، الذي يتشكل من خلال تجاربه الجسدية: المحفزات الحسية، والاستجابات العاطفية، والتفاعلات الاجتماعية.
32. وبالتالي، على الرغم من قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة بعض جوانب التفكير البشري وأداء مهام معينة بسرعة وكفاءة فائقتين، فإن قدراته الحسابية لا تمثل سوى جزء ضئيل من الإمكانيات الأوسع للعقل البشري. على سبيل المثال، لا يمكنه حاليًا محاكاة التمييز الأخلاقي والقدرة على بناء علاقات حقيقية. علاوة على ذلك، فإن ذكاء الشخص مُضمن في تاريخ شخصي من التكوين الفكري والأخلاقي، والذي يُشكل جوهريًا منظور الفرد، بما في ذلك الأبعاد الجسدية والعاطفية والاجتماعية والأخلاقية والروحية لحياته. ولأن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع توفير هذا القدر الهائل من الفهم، فإن المناهج القائمة على هذه التقنية فقط أو التي تفترض أنها الطريقة الأساسية لتفسير العالم يمكن أن تؤدي إلى “فقدان الإحساس بالشمولية، وبالعلاقات القائمة بين الأشياء، وبالأفق الواسع”.
33. لا يقتصر الذكاء البشري في المقام الأول على إنجاز المهام الوظيفية، بل على فهم الواقع والتفاعل معه بنشاط بجميع جوانبه؛ وهو قادر أيضًا على التوصل إلى رؤى مُدهشة. بما أن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى غنى الجسدانية والعلاقاتية وانفتاح القلب البشري على الحقيقة والخير، فإن قدراته، وإن بدت لا متناهية، لا تُقارن بالقدرات البشرية على استيعاب الواقع. يمكن تعلم الكثير من المرض، كما يمكن تعلم الكثير من العناق الودّي، وحتى من غروب الشمس البسيط. إن العديد من التجارب التي نختبرها كبشر تفتح لنا آفاقًا جديدة وتتيح لنا إمكانية اكتساب حكمة جديدة. لا يمكن لأي جهاز يعمل فقط بالبيانات أن يُضاهي هذه التجارب وغيرها الكثير من التجارب التي نمر بها في حياتنا.
34. إن إقامة تكافؤ صارم بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي ينطوي على خطر الاستسلام لرؤية وظيفية، تُقيّم الناس بناءً على ما يؤدونه من أعمال. ومع ذلك، لا تعتمد قيمة الشخص على امتلاك قدرات فريدة، أو إنجازات معرفية وتكنولوجية، أو نجاحه الفردي، بل على كرامته الذاتية المبنية على كونه مخلوقًا على صورة الله. لذلك، تبقى هذه الكرامة سليمة في جميع الظروف، حتى لدى من يعجزون عن ممارسة قدراتهم، سواءً أكانوا جنينًا أم فاقدًا للوعي أم مُسنًا يعاني. وهذا يُشكل أساس تقاليد حقوق الإنسان – وتحديدًا ما يُسمى اليوم “الحقوق العصبية” – التي “تُشكل نقطة التقاء مهمة للبحث عن أرضية مشتركة”، ولهذا السبب يُمكن أن تُشكل دليلًا أخلاقيًا أساسيًا في المناقشات حول التطوير والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
35. في ضوء ذلك، وكما يلاحظ البابا فرنسيس، فإن “استخدام كلمة “ذكاء” في حد ذاته” للإشارة إلى الذكاء الاصطناعي “مُضلِّل” ويُخاطر بإغفال أثمن ما في الإنسان. من هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي كشكل اصطناعي من الذكاء، بل كأحد منتجاته.
ابرشية دهوك الكلدانية الموقع الرسمي